قططُ الجارة العجوز


طالما أنّني كثير الكلام، لا يتوجّب عليَّ أن أبدو مستاءً من جارتي وأنا أُلقي التحيّة عليها ساهياً. الجارةُ العجوز بنظّارتها الطبيّة الثخينة ذات الأعمار المتعدِّدة تفترش الأرض مترقّبةً الناس مسرعين نحو ظلامٍ تدركه ببساطةٍ ويُسر: ما خطبُ الآدميين اليوم يمشون بعجالة؟

تستفسر العجوز مداعِبةً قطَّتها البيضاء متأمّلةً عينيها بشراسةٍ فتهزّ القطّةُ بغنجٍ ذيلها إشارةَ تعجّب. تتفاجأ العجوز ومن ثمّ تضحك وهي تمسِّد وبرها بحنان :آه يا قطّتي الناس ها هنا لا يعون فحوى الظلام، يسيرون دونما هداية. أليس كذلك؟ تكّرُ العجوز فتموء القطّة ! غيمةٌ سوداء تحتلّ سماء المدينة تحجب شعاع الشمس لهنيهة لا تلبث بعدها أن تمضي في دربها الأثيريّ مخترقةً الكتلة الزرقاء الممزوجة الألوان . *** على الطرف الآخَر من المدينة أودعت صرّة ابنها الذي قُتِلَ في أوبتِهِ ليلاً من المقبرة. كان ذلك قبل أعوامٍ قديمة. إنّها لا تتذكّر زمناً. – ليس ذلك صنيعاً يسيراً يا قطّتي، تقول العجوز . *** استفاقَ الابن إثر كابوسٍ مرعب. كانت القطط مركزَ ثقل الكابوس ذاك. قططٌ تخرج من السقيفة. قططٌ ممدّدةٌ على السرير الريفيّ. قططٌ لها ألسنة آدميين وأعين أشباحٍ حمراء تخاطب عقل الابن ببراعة: ثمّة في نهاية المقبرة رقعةٌ تخصّ سلالة القطط، يتوجّب عليكَ – طالما ظهرْنا لكَ في نومك – أن تصل الآن إلى ذلك المكان مصطحباً صرَّةً قماشيَّة تحوي مديةً وأوراقاً بيضاء. فزع الابن ذو العشرين سنة. استيقظ مرتعباً. اعتدل في سريره شارد الذهن: ولكن كيف يمكن لقططٍ خاملةٍ أن تتحدّث بصوتٍ واحد؟! تساءل الابن. بهدوءٍ وحذر توجّه متثاقلاً نحو الخزانة. شيءٌ ما يشبه خيال قطّةٍ تراءى له. ظلٌّ واضحٌ يحثّ على المضيّ في تنفيذ أمر الكابوس. أَخرج الصرّة القماشيّة من أعماق الخزانة. عمرُ الخزانة هذه، أضعاف ما وصل إليه عمركَ، تهتف القطط في أذنه . *** الدربُ المؤدي إلى المقبرة كان غائراً في الضباب. كلا، ليس ضباباً بل ذكرياتٌ تتبخر، أسرَّت القططُ بالصوت نفسه الذي تناهى لسمع الابن في كابوسه . العجوزُ الشاردة لبرهة لا تلبث أن تعود أدراجها خيفةً من وعورة التذكّر. القطّة البيضاء تلتقط بلسانها الدمويّ فراشاتٍ تحوم دائخة. حين وصول الابن إلى رقعة التراب كانت شواهدُ القبور الرخاميّة قد تحوّلت جماجمَ مغطّاة بقطع لحمٍ موزّعة بشكلٍ عشوائيّ: أُذُنٌ مبتورَةٌ مكانَ الفم، أسنانٌ ذهبيَّةٌ مكانَ العين… *** كُفّي عن مضايقة الفراشات ودعيني أتذكّر جيّداً، تصرخ العجوز . بعينٍ تومض غضباً، تسترق القطّة النظر إلى جارتي. أنا لا أعني شيئاً يا هرتي الوسيمة. كوني على دراية. لستُ أعني شيئاً. كلّ القصد أن تدعيني أتذكّر ما فعلهُ أسلافكِ بولدي العشرينيّ، تتوسّل العجوز . *** كان الابن في درب العودة قد تحرّر من نصف وزنه المعتاد. خَلَلٌ أصاب العين اليمنى لتتبعها اليسرى، ثمّ فراغٌ أسودُ كقاع البئر يسيّج كوخ الجارة العجوز